صبراً إخوة الإيمان في غزة

11 / 08 / 2014 - إسلاميديا 

أيها المؤمنون: نقف اليوم مع آية من في كتاب الله عز وجل فيها بيان لسنة من سننه العظيمة، سنة كتبها على عباده المؤمنين لا تبديل لها ولا تغيير، يرسم فيها طريق النصر والتمكين ويجلي ما على جنبات هذه الطريق من الشدة واللأواء واليأس والبلاء، سنة مضت بها حكمة الله عز وجل على الأولين والآخرين يقول -سبحانه وتعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) 

آية فيها تثبيت وتسلية ووعد لكل مؤمن صابر على دينه يذود عنه، ويقبض عليه كالقابض على الجمر، فيها وعد مصدوق لكل عصبة مؤمنة تقاتل العدو وتصابر كرب الحرب وزلزالها، تكابد شدة المعارك وأهوالها، فيها تذكير للعصبة المؤمنة المحصورة المقهورة المرابطة التي تموت دون دينها ولا تعطي الدنية فيه، وتصاول عدوها الجبار دون عرضها وأرضها وقضيتها وأقصاها وقدسها ولا تنتظر النصرة والنجدة إلا من ربها في هذه الآية تذكير لها بما مس الجماعات المؤمنة قبلها من البأساء والضراء والزلازل الشديدة وبصبرهم على كل ذلك تأهلوا للنصر واستحقوا جائزة الظفر فكان لهم مع الجنة والتي عبروا إليها فيافي المكاره والمخاوف والشدائد.

يقول ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء) [سورة البقرة 214]  هي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب ((وزلزلوا)) خوفوا من الأعداء زلزالاً شديداً امتحنوا امتحاناً عظيماً (الله أكبر إنها إرادة الله وسنته) إنه لا ينال الجنة إلا أهلها ولا يفوز بالنصر إلا المستحقون له.

وانظر كيف يبلغ الكرب والبلاء بأهل الإيمان وهم ((الرسول والذين معه)) فكيف بمن من دونهم (الرسول والذين آمنوا معهم) يصطلون بحرِ الحرب والبأساء والضراء ويطول بهم البلاء حتى يصهر قلوبهم ونفوسهم وتبلغ بهم المحنة ذراها والشدة منتهاها إلى أن يقول الرسول والذين آمنوا معه ((متى نصر الله ؟)) سؤال يصور مدى المحنة التي زلزلت هذه القلوب المترعة بالإيمان حتى انبعث منها هذا السؤال المكروب ((متى نصر الله))..

 

وعندما تثبت القلوب لهذا البلاء وتصبر لتلك الشدة واللأواء، عندما يصمد الإيمان للنوازل المزلزلة أو المصائب المجلجلة تتم كلمة اله ويتنزل نصره وتكون عافيته وستره (ألا إن نصر الله قريب)..

إنه مدخر عند الله لأهله الذين يستحقونه، ولا يستحقه خائن منتفع بالقضية، ولا منافق يلوك لسانه في المحافل والمؤتمرات.. لن يستحقه إلا الذين صبروا وثبتوا حتى النهاية، الذين صمدوا للزلزلة الشديدة ولم يحنوا رؤوسهم للعاصفة العاتية، الذين كانوا يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله.. كانوا يرون وعد الله يلوح من ظلام الخذلان والاستضعاف وكانوا يرقبون الفرج من الرحمن.. كانوا ينتظرونه والمحنة في ذروتها تلوك أفئدتهم وتفت أكبادهم حينئذٍ يكون لهم النصر والتمكين والظفر، ويدخلون الجنة مستحقين لها جديرين بها بعد الجهاد والامتحان والصبر والثبات والتجرد لله وحده وقطع العلائق والرجاءات والتوسلات مع غيره -سبحانه وتعالى- ونظير هذه الآية قوله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)

إنها آية أخرى تجلي صورة رهيبة من لحظات الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل -عليه صلوات الله وسلامه- وأتباعهم من بعدهم.. إنها ساعات وفترات حرجة؛ فالكفر يطغى ويبطش ويغدر ويفجر ويصول ويجول العصبة المؤمنة صابرة متمسكة بالوعد الرباني .. لا يزلزلها ضرباً ولا كرباً ولا حرباً ولا ينال من نفوسها أرجاف المنافقين ولا شنشنة العملاء المخذولين .. يصبرون ويصابرون والسماء تتوهج حمماً والأرض تنفث ناراً والآفاق قد سدها عليهم العدو حتى تهجس في نفوسهم البشرية هواجس اليأس ويظنون أن نفوسهم قد كذبتهم في رجاء النصر في هذه الدنيا.

فصبراً إخوة الإيمان في غزة وفي كل مكان تصهر المحن قلب المؤمن.. صبراً على الزلزال الذي لا يطاق وعلى الرواجف التي ترجف بالأفئدة الصابرة .. صبراً على جبروت العدوان وغشمه وجبروته وقسوته .. صبراً على سخرية النفاق وغمزه ولمزه .. صبراً على التحالف الأثيم تجتمع فيه قوى الشر لكسر السلاح المؤمن الذي ما صنع في الشرق ولا في الغرب بل صنعته أيد طاهرة وعقول مؤمنة صنعته في أرضها وبأيدي أبنائها وبإمكاناتها الهزيلة فإذا هو يشرد العدو من دياره ويشرد به من خلفه.

أيها المؤمنون: ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أسرع استدارة الزمان، وما أدنى صورة هذه الحرب الأثيمة مع صورة معركة الخندق فقد كانت الخندق في أصلها مكيدة يهودية فهي أحزاب حزبتها اليهود من خلال جولات قام بها زعماء اليهود وسادات بني النظير حرضوا فيها قريشاً وغطفان وكنانة وسارت الجيوش المجيشة نحو مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم  تحركت تلك الجيوش التي جندتها اليهود إلى المدينة الضعيفة المعزولة فضربوا عليها الحصار الأثيم

 وما أشبهها بهذه الحرب وكانت لذات الهدف تهدف إلى استئصال هذه القوة النابتة الدعوة الصاعدة وكان العدو بذات التركيبة يهود انجاس وعرب كفار ومنافقون يرجفون في الداخل ويبثون الشكوك والمخاوف ويطلقون الإشاعات ويسخرون ويغمزون ويلمزون 

 وزحفت جيوش الكفر إلى المدينة المحصورة من كل صوب وأحاطوا بها من كل جانب وسدوا عليها المنافذ ويصور القرآن حال المدينة المؤمنة والعصبة الممتحنة (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) [سورة الأحزاب 10] 

 الله أكبر هي ذات الصورة من اليأس والشدة والكرب والزلزلة عدو جبار يزحف من كل النواحي حتى ترتفع أبصار المؤمنين لشدة ما يغشاهم من الكرب وتشتد بهم الآلام والجوع والبرد والمخاوف وتحيط بهم المهالك حتى لكأن قلوبهم تصعد من صدورهم حتى تبلغ الحناجر (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) [سورة الأحزاب 11]

هنالك ميز الله الخبيث من الطيب، وعلم المنافق من المؤمن وظهر الكاذب من الصادق والناصح لأمته الصابر لنصرتها من الغاش لها الخائن لعهدها (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [ سورة الأحزاب 12]

: أنها جلَّت معادن الناس ومشاعرهم تجاه قضايا أمتهم، فعرفنا من الذي ينصر قضايانا، ممن يرقص على جراحاتنا، ويخذل صفَّنا، ويَشمت بمقاومتنا، ويَغضُّ الطَّرْفَ عن جرائم عدونا، من أقلام الضرار وقنوات التغريب. 

فجزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بيريقي 

وما حبي لها إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي

وما يقع في هذه الأيام على مستوى الدول والإعلام الرسمي من العداء لإخواننا المجاهدين في فلسطين، ولوم المقاومة، والتهكم بها، والسخرية من صواريخها، ووصفها بالعبثية، وأنهم لو كانوا عقلاء وسمعوا نصيحتنا والتزموا الصمت لما وقع عليهم القتل والذبح. كل هذه التهم والمهازل ليست بدعاً من القول، وليست من الانتكاسات المعاصرة التي لا سابق لها، بل إن المنافقين قالوها من قبل: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

 (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)

التمحيص هو المرحلة التي تسبق النصر(وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) فلو شاء لأهلك اليهود والكافرين عن بكرة أبيهم، لكنه -سبحانه وتعالى- يؤخر ذلك؛ لحكمة الابتلاء والامتحان، وكما قال تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)، فجَعَل سبحانه محق الكافرين لاحقاً للتمحيص، فما يحصل الآن تمحيص وتمييز للصفوف، كما قال تعالى في الآية الأخرى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) فالله سبحانه يميز من ينصر إخوانه بما لديه من وسائل النصر -وإن قلَّت- من الذين يخذلونهم، ناهيك عمن يخونونهم ويطعنونهم في ظهورهم! وقد سئل الإمام الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل للرجل أن يُمكَّن أو يُبتَلى؟ فقال: (لا يُمكَّن حتى يُبتَلى).

أما المؤمنون الصادقون فما زادتهم هذه الأهوال والكروب إلا إيماناً وتصديقاً (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [سورة الأحزاب 22]

ومع ذلك البلاء وتلك الشدة إلا إن الصحابة كانوا على يقين أن نصر الله  آتٍ آتٍ لا محالة تنفرج عنها السماء أو تنشق به الأرض في مدمس الليل أو يشرق به الصبح آتٍ آتٍ لا ريب؛ لأن الله وعد به..

مدينة يحاصرها الموت من كل جانب ويتخطفها الهلاك من كل صوب ويخنقها الحصار الجائر ويموج العملاء في أحشائها ويطويها الجوع ويجتاحها البرد والشتاء أهوال فوق أهوال وروعات وفجائع حتى ما يقدر أحد على مغادرة موقعه حتى يقول الصحابة فلا يقدرون حتى على الصلاة فيقول عمر: يا رسول الله ما كدت أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب فقال -صلى الله عليه وسلم-: "والله ما صليتها".

 وفي البخاري أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس فمن يأتي النصر مع هذا الضعف والقلة والجوع والحصار.

 وكيف تستيقنه النفوس وهي لا ترى له منفذاً في الحسابات المادية إن القلوب المؤمنة لتراه كما ترى عيونها الصبح المتجلي تراه من وعد الله الصادق وعهده القديم (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ*وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)

 لما ثبت المؤمنون للامتحان الإلهي العظيم صمدوا وصحت قلوبهم وعزائمهم وتجلى الإيمان الذي امتلأت به صدورهم حينما أذن الله بالنصر -وما أيسره عليه سبحانه- بعث -سبحانه- ما لم يكن في حسبان الكفار ولا المؤمنين؛ بعث ريحاً على معسكرات الكفار فجعلت تكفأ قدورهم وتقلع خيامهم وتنفر دوابهم وخالف بين قلوبهم فنكص ذلك الجيش المتعاظم نكص مهدود القوى فعكك الأوصال يجر خطا الخزي والخذلان والعجز عن مدينة صغيرة تلك الأحلاف المتحالفة رجفت بعضها يلعن بعضاً حينها قال -صلى الله عليه وسلم- مشيراً إلى منعطف تاريخي خطير.. الدعوة قال:اليوم نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم.

 أخوكم أبو عمر 

 

 

 

القائمة الرئيسية

Article | by Dr. Radut